أسعد السحمراني
75
الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة
إلى النظام السائد في عالم المثل ، وطريق السعادة والحكمة عنده « يقوم على نبذ المظاهر المحسوسة والفوضى المادية والجسدية ، لأجل العودة بالروح إلى طبيعتها الأصلية ، وتحقيق السيادة - في داخل الروح وفي المجتمع - للفضيلة ، التي هي ليست سوى صورة المقاييس العلوية المتمركزة حول مثال الخير والتي ينظمها مثال العدالة » « 1 » . تأسيسا على ما تقدم يرى أفلاطون بأنه من واجب الإنسان ، كي يحيا حياة فاضلة ، أن يتسامى فوق مطالب الجسد ، وأن يرضى من هذه الحاجات البدنية بما يحقق استمرار قوام البدن ، وأن يصبّ اهتمامه بالمقابل إلى النفس يزكّيها ويطهّرها ، ولا يكون ذلك إلّا بتوجيهها إلى تحصيل المعرفة والحكمة . هذا المنهج قد يجعل النفس تتحرّر من سجنها الجسد في هذه الحياة فيتحقق لها الاتصال بعالم المثل ، وتحيا حياة الفضيلة الشبيهة بتلك الحياة الأولى التي ستكون بعد الموت ؛ أي الحياة المنزّهة عن عالم المحسوسات والشهوات والغرائز . النفس إذا في صراع دائم لكي تكسر الحاجز الكثيف المتمثّل بالجسد ، ولكي تتخلّص من سجنها في هذه الحياة . في هذا يقول أفلاطون : « أليس التطهير بالذات هو ما تقول به السنّة القديمة حقّا ؟ أي وضع النفس بعيدا عن الجسد بقدر الإمكان وتعويدها على أن ترجع إلى نفسها متخلصة من كل وجهة من وجهات الجسد ، وأن تعيش ما استطاعت في الظروف الحالية تماما كما تعيش في الظروف المستقبلية ، منفردة في نفسها ، منفصلة عن الجسد كما لو كانت قد تحلّلت من قيوده » « 2 » . فلسفة الأخلاق عنده تنطلق إذن من نظرية الثنائية بين النفس والجسد ،
--> ( 1 ) غريغوار ، فرنسوا ، المذاهب الأخلاقية الكبرى ، ترجمة قتيبة المعروفي ، بيروت - باريس ، منشورات عويدات ، ط 3 ، سنة 1984 ، ص 38 . ( 2 ) أفلاطون ، الأصول الأفلاطونية - فيدون ، ترجمة وتعليق د . نجيب بلدي ، ود . علي سامي النشار وعباس الشربيني ، الإسكندرية ، منشأة المعارف ، ط 1 ، سنة 1961 ، ص 38 .